ابو القاسم عبد الكريم القشيري
100
لطائف الإشارات
بيّن أنهم - وإن شاهدوا عظيم الآيات وطالعوا واضح البينات - فحين لم تساعدهم العناية ولم يخلق اللّه ( لهم ) الهداية ، لم تزدهم كثرة الآيات إلا قسوة ، ولم تبرز لهم من مكامن التقدير إلا شقوة ( على شقوة ، وشبّه قلوبهم بالحجارة لأنها لا تنبت ولا تزكو ، وكذلك قلوبهم لا تفهم « 1 » ، ولا تغنى « 2 » . ثم بيّن أنها أشد ( . . . . . . ) « 3 » من الحجارة ، فإنّ من الحجارة لما يتفجّر منه الأنهار ، ومنها ما تظهر عليه آثار خشية اللّه « 4 » ، وأمّا قلوبهم فخالية عن كل خير ، وكيف لا وفد منيت بإعراض الحقّ عنها ، وخصّت بانتزاع الخيرات منها . قوله جل ذكره : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 75 إلى 76 ] أَ فَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ( 75 ) وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ قالُوا أَ تُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَ فَلا تَعْقِلُونَ ( 76 ) أنبأهم عن إيمانهم ، وذكر أنهم بعد سماع الخطاب من اللّه - سبحانه - حرّفوا وبدّلوا فكيف يؤمنون لكم وإنما يسمعون بواسطة الرسالة ، ومن لم يبق على الإيمان بعد العيان فكيف يؤمن بالبرهان ، والذي لم يصلح للحق لا يصلح لكم ، ومن لم ( يحتشم من الحق ) فكيف يحتشم منكم ؟ . قوله جل ذكره : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 77 ] أَ وَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ ( 77 ) تواصوا فيما بينهم بإنكار الحق ، وإخفاء الحال على المسلمين ، ولم يعلموا أن اللّه يطلع رسوله عليه السّلام على أسرارهم ، وأن نورا أظهره الغيب لا ينطفئ بمزاولة الأغيار . وموافقة اللّسان مع مخالفة العقيدة لا يزيد إلا زيادة الفرقة . قوله جل ذكره : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 78 إلى 79 ] وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلاَّ أَمانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ ( 78 ) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ ( 79 ) .
--> ( 1 ) تكملة في الهامش استدرك بها الناسخ أثبتناها في موضعها . ( 2 ) أي لا تغنى عنهم من اللّه شيئا ، وربما كانت في الأصل ( ولا تعى ) حتى تتلاءم مع ( لا نفهم ) . ( 3 ) زيادة ميزها الناسخ - لا لزوم لها . ( 4 ) إشارة إلى قوله تعالى : « لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ » .